مقالات مسرحية


إطلالة على نص ( قاع )

عمار نعمة جابر

( قاع ) هو نص لا يقترب بأي شكل من أشكاله البنائية ، نحو الأطروحة الواقعية في المسرح . بل هو محاولة جادة لطرح الفكر بأطر حديثة ومبتكرة ، نحاول من خلالها أن نخلق عالماً لا واقعياً ، لا يمت في شكل الطرح ، ولا في الأسلوب نحو الواقع بأي صلة .

نص ( قاع )  كان محاولة لطرح المفاهيم والرؤى من خلال شفر ورموز ودوال تتحرك على المسرح ، وتحاول أن تشكل فضاءه ، الذي لا يشترك مع الواقع سوى بشكله الظاهري ، الخيالي واللامعقول  .

فمن المفتاح الأول للنص وأعني اسم النص ، نصطدم بإشكالية التسمية . فعدم التعريف لمفردة ( قاع ) يعلن الموقف الفكري الواضح نحو ما يدور داخل هذه المنظومة المشوهة للحياة البشرية، وتحولها ومنذ الوهلة الأولى ، نحو زاويتها ( النكرة ) ، وأيضا هو محاولة لتجريد هذا القاع من إمكانية التعريف بأي شكل من الأشكال ،وذلك لإطلاق مكان وزمان الحدث وعدم التحديد لهما .

إن البحر الهادر والذي يمثل رمزاً واضح الملامح ، في طرح شكل الحياة اليوم ، يتناغم مع المكان السفلي  لقاع السفينة ، التي لا يعرف لها وجهة ولا مصير ، وهي الرمز الذي يمثل مسيرة الوجود الإنساني ، في أحد وجوهها الفكرية . فالكيانات السفلية في هذه السفينة ( وهي الشخصيات ) رموز تمثل أشكال مختلفة ومتصارعة في الحياة الإنسانية اليوم ، فبين سلطة التاريخ وأهله وسلطة الدين وأهله وسلطة الشهوات وأهلها  وسلطة الفكر وقادته ، ثمة صراع أزلي ، نجده في هذا النص متأججاً ومرتبكاً يخلق لنا أشكالاً إنسانية سلبية وغير منتجة في الكيان البشري .

النص لا يملك أي ترابط زمني ، فالزمان مغيب عن الجميع ، لا يعرف وقت الفطور ، ولا يعرف منذ متى كان القاع . والجرب هو ذلك المفهوم الواضح للهم والألم الإنساني في هذا العصر ، فهو قدر يحاصر كل الكيانات البشرية وبمختلف توجهاتها وأشكالها .

إن الانحياز نحو ( القاص ) وأعني به الفكر وأهله ، هو إعلان صريح لموقفي العقائدي نحو ما يدور من أشكال الصراع البشري المزمن ، فالقاص هو المحرك الرئيسي للحدث ، والقاص هو الباحث الحقيقي عن سر الحياة ،وعن مفهوم الانتظار ، وعن وجهته الصحيحة . لأنني لا أشك مطلقاً بأن الفكر والشجاعة والعمل هي التي ستأخذ بيد الإنسانية نحو شواطئ الأمان .

نعم .. قد لا تحوي النهاية المأساوية  على أي بصيص من الأمل ، وهذا  بلا شك عكس ما أراه في الحياة ، ولكن الواقع الذي يحاصرني ، أنا و ( القاص ) يجعلني أختم نصي المسرحي  وقصة ( القاص ) بتلك النهاية التي أرى أنها رغماً عني ورغماً عنه مأساوية جداً . 

الناصرية/ 2005